ابن كثير
239
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم ، قال : وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما أي وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين ، فإياك وإياهما ، فلا تطعهما في ذلك ، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة ، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك ، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك ، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا ، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب أي حبا دينيا ، ولهذا قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ . وقال الترمذي عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال : سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال : نزلت فيّ أربع آيات ، فذكر قصته وقال : قالت أم سعد : أليس اللّه قد أمرك بالبر ؟ واللّه لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر ، قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها ، فنزلت وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما « 1 » الآية ، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا . وقال الترمذي حسن صحيح . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ ( 10 ) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ( 11 ) يقول تعالى مخبرا عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم ، بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة اللّه تعالى بهم ، فارتدوا عن الإسلام ، ولهذا قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ قال ابن عباس : يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أو ذي في اللّه « 2 » ، وكذا قال غيره من علماء السلف ، وهذه الآية كقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ - إلى قوله - ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [ الحج : 11 ] . ثم قال عز وجل : لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد ، وفتح ومغانم ، ليقولن هؤلاء لكم : إنا كنا معكم ، أي إخوانكم في الدين ، كما قال تعالى :
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 44 ، والترمذي في تفسير سورة 29 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 181 ، 186 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 10 / 124 .